يدخل القرن الأفريقي مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي المكثف، مع تزايد أهمية موقعه الاستراتيجي الممتد من البحر الأحمر وباب المندب إلى خليج عدن وغرب المحيط الهندي. ويشير إنشار محمد دولال، خبير الأمن المتخصص في شؤون القرن الأفريقي، إلى أن الموقع جعل المنطقة أكثر أهمية للتجارة العالمية والأمن البحري وحسابات القوى الكبرى خارج القارة الأفريقية.

 

وخلال العقد الماضي، وسعت دول من الشرق الأوسط وخارجه علاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية في أنحاء القرن الأفريقي، فيما تحولت الموانئ والتعاون العسكري والتحالفات الدبلوماسية والبنية التحتية والوصول إلى الممرات المائية الاستراتيجية إلى عناصر في منافسة أوسع على النفوذ.


وفي تحليل نشره هورن ريفيو، يرى دولال أن الانخراط الدولي في المنطقة ليس مشكلة في حد ذاته، إذ تحتاج دول القرن الأفريقي إلى الاستثمار والتكنولوجيا والمساعدات الأمنية والشراكات الدبلوماسية، كما أسهم الدعم الخارجي بصورة مهمة في مكافحة الإرهاب وتأمين الملاحة البحرية ودعم التنمية الاقتصادية.

 

لكن المشكلة تظهر عندما تتداخل المصالح الخارجية مع الخلافات غير المحسومة بين دول الجوار. وعندها، يمكن لخلافات كان من الممكن إدارتها عبر الدبلوماسية أن تكتسب بعداً استراتيجياً أوسع، فتتصل مصالح عدة قوى خارجية بالنزاع، ما يجعل التوصل إلى تسوية أكثر صعوبة والتصعيد أكثر خطورة.

 


مصر والصومال في بيئة إقليمية شديدة التعقيد


ويظهر ذلك بصورة متزايدة في العلاقات المتغيرة بين مصر والصومال. فقد ارتقى البلدان بعلاقاتهما الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية في يناير 2025، عقب توقيع اتفاق سابق للتعاون العسكري، قبل أن تنخرط مصر لاحقاً في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال.


وتقول القاهرة إن مشاركتها تستهدف دعم سيادة الصومال ومكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن الإقليمي. ولا يمكن ببساطة تجاهل هذه الأهداف، إذ يواجه الصومال أزمة أمنية حقيقية، ويظل تعزيز مؤسساته الوطنية وقواته الأمنية أمراً أساسياً لمستقبله. ويحق لمصر، شأنها شأن أي دولة ذات سيادة، تطوير شراكات ترى أنها تخدم مصالحها الوطنية. لكن لا يمكن فهم السياسة الخارجية من خلال التصريحات الرسمية وحدها، بل ينبغي النظر إليها أيضاً في سياق البيئة الاستراتيجية الأوسع.


ويأتي توسع الدور المصري في الصومال في وقت تخوض فيه القاهرة نزاعاً استراتيجياً كبيراً مع إثيوبيا حول نهر النيل وسد النهضة الإثيوبي. كما تولي مصر اهتماماً متزايداً بالتطورات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.


وفي الوقت نفسه، شهدت العلاقات بين إثيوبيا والصومال توترات حادة حول السيادة وسلامة الأراضي ومساعي إثيوبيا للحصول على وصول موثوق إلى البحر. ولا تثبت هذه التطورات بالضرورة أن دولة ما تستخدم أخرى كأداة في مواجهة خصمها، إذ يتطلب مثل هذا الاستنتاج أدلة واضحة. لكن سيكون من السذاجة أيضاً افتراض أن هذه التطورات الاستراتيجية مستقلة تماماً عن بعضها البعض.


ومن هنا، لا يتمثل السؤال الأهم في ما إذا كان ينبغي للصومال التعاون مع مصر. فالصومال دولة ذات سيادة، ومن حقه تطوير علاقاته مع مصر وإثيوبيا وتركيا وكينيا ودول الخليج وأي دولة أخرى وفقاً لمصالحه الوطنية. وإنما يتمثل السؤال الحقيقي في ما إذا كانت هذه الشراكات تعزز سيادة الصومال وقدرات مؤسساته، أم أنها قد تجعل منه ساحة أخرى تُدار عبرها التنافسات الإقليمية الأوسع.


وتزداد أهمية هذا القلق عند النظر إلى الأطراف الخارجية المختلفة المنخرطة في أمن الصومال. فقد وجه بعض الفاعلين السياسيين الصوماليين، ومن بينهم شخصيات مرتبطة بإدارة الرئيس حسن شيخ محمود، انتقادات إلى دور الإمارات. وينبغي بحث هذه الخلافات استناداً إلى جوهرها وليس من خلال الخطاب السياسي. فإذا كان أمن الصومال هو القضية المركزية، فينبغي تقييم مساهمة كل شريك خارجي بناءً على ما قدمه فعلياً في مجالات مكافحة الإرهاب وبناء القدرات الأمنية والتدريب والدعم المؤسسي والمشاركة الاقتصادية.


وطورت الإمارات علاقات أمنية مع أطراف صومالية، كما دعمت جهود مكافحة الإرهاب في بونتلاند وجوبالاند ومناطق أخرى تواجه حركة الشباب. ولم يقتصر انخراطها على التصريحات الدبلوماسية، بل شمل أيضاً علاقات أمنية واقتصادية عملية.


ولا يعني ذلك أن سياسات الإمارات ينبغي أن تبقى بمنأى عن التدقيق، أو أن دوافعها ينبغي اعتبارها تلقائياً ذات طابع خيري. فالدول لا تنتهج سياساتها الخارجية من دون مصالح استراتيجية، وينطبق المبدأ ذاته على جميع الأطراف الخارجية العاملة في القرن الأفريقي.

 


سيادة الصومال بين الشراكات الخارجية وأمن الجوار


لذلك، لا يحتاج الصومال إلى منافسة بين القوى الأجنبية حول الطرف الذي ينبغي أن يحظى بأكبر نفوذ. وإنما يحتاج إلى شراكات تزيد قدراته الوطنية. وهناك فرق جوهري بين الشراكة الاستراتيجية والتبعية الاستراتيجية.


ويصبح الدعم الدولي مستداماً عندما يعزز المؤسسات الوطنية، وليس عندما تصبح تلك المؤسسات معتمدة على الحسابات السياسية للرعاة الخارجيين. وينبغي تطبيق المبدأ ذاته عند النظر إلى دول الجوار المباشر للصومال.


وقد تحملت إثيوبيا وكينيا تكاليف كبيرة في مجال الأمن داخل الصومال على مدى سنوات طويلة، وخاضت قواتهما معارك ضد حركة الشباب وتكبدت خسائر خلال العمليات العسكرية. كما اضطلعت جيبوتي بدور مهم في منظومة الأمن الصومالية وجهود تحقيق الاستقرار الإقليمي. ولا ينبغي التعامل مع هذه المساهمات باعتبارها مجرد حواشٍ تاريخية، فهي تعكس حقيقة أن أمن الصومال لا يمكن فصله عن أمن جيرانه.


ولا يمكن التفاوض حول الجغرافيا. فتتقاسم الصومال وإثيوبيا وكينيا وجيبوتي الحدود وشبكات التجارة والمجتمعات وطرق الهجرة والتهديدات الأمنية. ولا تلتزم الجماعات المسلحة بالضرورة بالحدود السياسية، كما يمكن لعدم الاستقرار في دولة أن ينتج سريعاً تداعيات في دولة أخرى.


ولذلك، يحق للصومال تنويع شراكاته الدولية، لكن لا يمكن بناء الأمن الإقليمي كما لو كان جيرانه المباشرون قوى بعيدة يمكن ببساطة استبعاد مصالحها. ولا يعني ذلك أن يخضع الصومال سياسته الخارجية لإثيوبيا أو كينيا أو جيبوتي، كما لا ينبغي أن يتحول الأمن الإقليمي إلى ذريعة للتدخل في الشؤون السياسية الداخلية للصومال. وتظل السيادة أساساً لا غنى عنه، لكن التحدي يكمن في التوفيق بين السيادة والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، وهي تشابك المصالح الأمنية.


وأصبح هذا التحدي أكثر إلحاحاً مع تزايد ترابط النزاعات الكبرى في القرن الأفريقي. فلم تعد الخلافات حول النيل بين مصر وإثيوبيا، ومساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، ومخاوف الصومال بشأن السيادة وسلامة الأراضي، وقضية أرض الصومال، وعدم الاستقرار في السودان، والحرب في اليمن، وانعدام الأمن في البحر الأحمر، قضايا استراتيجية منفصلة بالكامل.


بل توجد جميعها داخل البيئة الإقليمية نفسها، ويمكن للتطورات في إحدى الساحات أن تؤثر في حسابات الأطراف في ساحات أخرى.


وهنا تزداد خطورة التنافس الخارجي. فقد أظهر تاريخ القرن الأفريقي أن المنافسة الأمنية نادراً ما تبقى محصورة داخل النزاع الذي بدأت منه. ويمكن أن تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات عسكرية، فيما قد تغير الشراكات العسكرية تصورات التهديد. وقد تبدأ الحكومات في تفسير علاقات جيرانها بالقوى الخارجية باعتبارها اصطفافات استراتيجية معادية.


وعندما يحدث ذلك، يمكن لانعدام الثقة أن يغذي نفسه، إذ يرد كل طرف على الإجراءات الأمنية للطرف الآخر بالسعي إلى تحالفات إضافية ودعم عسكري جديد.


وشهدت المنطقة بالفعل قدراً كبيراً من الصراعات، ولا يمكنها الاستمرار إلى ما لا نهاية في إعادة إنتاج هذه الحلقة.


ويجسد الخلاف بين إثيوبيا والصومال حول الوصول إلى البحر خطورة هذا المسار وإمكانية اتباع نهج مختلف في الوقت ذاته. فإصرار الصومال على سيادته وسلامة أراضيه مشروع، كما أن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لإثيوبيا في الحصول على منفذ موثوق إلى البحر مفهومة أيضاً.


ولا ينبغي التعامل مع هذه المصالح تلقائياً باعتبارها متعارضة. وإنما يكمن السؤال الحقيقي في كيفية إدارتها. فإذا تحول الوصول إلى البحر إلى قضية تُدار عبر الضغوط العسكرية والتحالفات المتنافسة والمواجهة الاستراتيجية، فقد يتحول إلى مصدر طويل الأمد لعدم الاستقرار. أما إذا عولج بالتفاوض والاتفاقات التجارية والترتيبات الاقتصادية ذات المنفعة المتبادلة، فقد يتحول بدلاً من ذلك إلى فرصة للتعاون.


ولهذا السبب، تستحق العملية الدبلوماسية التي رعتها تركيا اهتماماً خاصاً. فقد أظهر إعلان أنقرة أن الخلافات الخطيرة يمكن إعادتها إلى إطار دبلوماسي حتى بعد تصاعدها.


وينبغي أن يسعى الحل المستدام إلى حماية وحدة الأراضي الصومالية، مع إتاحة وصول موثوق وقابل للاستمرار تجارياً أمام إثيوبيا إلى المنشآت البحرية، من خلال ترتيبات يقبل بها الطرفان. ولن يتطلب هذا النهج من أي من البلدين التخلي عن مصالحه الوطنية، بل سيتطلب إدراك أن المصالح الوطنية يمكن حمايتها أحياناً بصورة أفضل عبر الاعتماد المتبادل والتفاوض بدلاً من المواجهة.

 


التكامل الاقتصادي بوابة للاستقرار في القرن الأفريقي


ولا تمثل الصومال بالنسبة إلى إثيوبيا مجرد ملف آخر في السياسة الخارجية، إذ تشكل الجغرافيا والتاريخ والتجارة والمجتمعات وبيئة الأمن المشتركة أساس العلاقة بين البلدين. وينطبق الأمر نفسه، وإن بصورة مختلفة، على كينيا وجيبوتي.


وأي استراتيجية أمنية صومالية تتجاهل هذا الترابط ستواجه صعوبة في التعامل مع الحقائق الأساسية للمنطقة. لكن الترابط لا ينبغي أن يتحول إلى مفهوم للحق المكتسب. فمصالح إثيوبيا الأمنية لا تمنحها سلطة غير محدودة على الصومال، تماماً كما لا تلغي سيادة الصومال مخاوف إثيوبيا المشروعة بشأن الأمن والوصول البحري. وينطبق المبدأ ذاته على كينيا وجيبوتي وجميع دول المنطقة.


ولهذا تحديداً، يحتاج القرن الأفريقي إلى مؤسسات إقليمية أقوى، وليس إلى مزيد من الاصطفافات الخارجية المتنافسة.


كما تحتاج المنطقة إلى إعادة النظر في العلاقة بين الأمن والاقتصاد. ويشكل ضعف التكامل الاقتصادي أحد أكبر نقاط الضعف في القرن الأفريقي، رغم الإمكانات الجغرافية والتجارية الهائلة التي تمتلكها المنطقة.


تمتلك إثيوبيا سوقاً كبيرة وقدرات إنتاجية مهمة، فيما تمتلك الصومال ساحلاً واسعاً وإمكانات بحرية كبيرة. وطورت جيبوتي نفسها لتصبح مركزاً لوجستياً رئيسياً، بينما تمتلك كينيا بنية تحتية تجارية مهمة وأسواقاً إقليمية واسعة. ومع ذلك، لا تزال هذه المقومات غير مترابطة بالقدر الكافي.


ولذلك ينبغي أن يتجاوز النقاش الاستراتيجي التنافس على الموانئ الفردية، وأن يتجه نحو إنشاء ممرات اقتصادية مترابطة. ويمكن للطرق والسكك الحديدية والموانئ وشبكات الطاقة والاتصالات والخدمات اللوجستية أن تربط اقتصادات المنطقة بطرق تجعل الاستقرار ذا قيمة اقتصادية.
 

ولا ينبغي أن يؤدي موقع إثيوبيا كدولة حبيسة، والموقع البحري للصومال، والبنية التحتية اللوجستية في جيبوتي، والشبكات التجارية في كينيا إلى المنافسة بالضرورة. فإذا أُديرت هذه المقومات بصورة صحيحة، يمكن أن تتحول إلى أصول متكاملة داخل منظومة اقتصادية إقليمية.
 

ولا يقتصر الأمر على كونه طرحاً اقتصادياً، بل يشكل أيضاً استراتيجية أمنية. فالدول المرتبطة بعمق عبر التجارة والبنية التحتية والاستثمارات وسلاسل الإمداد تمتلك حوافز أقوى لإدارة خلافاتها السياسية سلمياً.
 

ولا يلغي الاعتماد الاقتصادي المتبادل الصراعات، لكنه يرفع تكلفة المواجهة ويخلق أطرافاً ومصالح لديها حافز للحفاظ على الاستقرار. وهذا تحديداً هو النوع من الاعتماد الاستراتيجي المتبادل الذي يحتاج إليه القرن الأفريقي.
 

وينبغي أن يمتد المبدأ نفسه إلى ما هو أبعد من الحكومات. فقد تفاعلت شعوب إثيوبيا والصومال وكينيا وجيبوتي على مدى قرون عبر التجارة والثقافة والعلاقات الأسرية والهجرة. وسبقت هذه العلاقات وجود الحدود الحديثة التي قسمت المنطقة إلى كيانات سياسية منفصلة بوقت طويل.
 

لكن السياسة الإقليمية كثيراً ما تتعامل مع المجتمعات المجاورة بصورة أساسية من خلال مفردات الأمن القومي والتنافس على الأراضي. وهذا أمر يحتاج إلى التغيير.
 

ويمكن للتبادل التعليمي والشراكات التجارية وبرامج الشباب والتعاون الأكاديمي والمبادرات الثقافية والتجارة العابرة للحدود أن تنشئ علاقات لا تستطيع الحكومات وحدها بناءها. وينبغي ألا يظل التكامل الإقليمي مشروعاً دبلوماسياً للنخب، بل ينبغي أن يصبح واقعاً يلمسه المواطنون العاديون.
 

ولا توجد إمكانية واقعية لإخراج القوى الخارجية من القرن الأفريقي، كما لا ينبغي أن يكون ذلك بالضرورة هو الهدف. فلدى مصر مصالح في البحر الأحمر والأمن الإقليمي، وطورت تركيا علاقات سياسية واقتصادية وأمنية واسعة في المنطقة، بينما تمتلك دول الخليج مصالح تجارية واستراتيجية كبيرة. كما ترتبط للولايات المتحدة والصين والدول الأوروبية مصالح مهمة بالأمن البحري والتجارة ومكافحة الإرهاب.
 

ولا تكمن القضية في ما إذا كان ينبغي للقوى الخارجية أن تكون حاضرة في المنطقة، وإنما في الجهة التي تحدد شروط هذا الانخراط. وينبغي أن تكمل الشراكات الخارجية المصالح الاستراتيجية الأفريقية بدلاً من أن تحل محلها.
 

ويمكن للجهات الدولية أن تسهم في مكافحة الإرهاب والتنمية الاقتصادية والأمن البحري والدبلوماسية، لكن ينبغي للحكومات الإقليمية أن تحذر من السماح للشراكات الخارجية بتحويل الخلافات المحلية إلى مواجهات استراتيجية أوسع.
 

ويكمن الفارق هنا في طبيعة الدور. فمساعدة قوة خارجية لدول متجاورة على حل نزاع يمكن أن تعزز الاستقرار الإقليمي، بينما قد يؤدي انخراط قوة خارجية بصورة عميقة في ذلك النزاع إلى جعل التسوية أكثر صعوبة.
 

وهنا تؤدي مؤسسات مثل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيجاد» والاتحاد الأفريقي دوراً مهماً. ويحتاج القرن الأفريقي إلى آليات أقوى لتبادل المعلومات الاستخباراتية ومكافحة الإرهاب والأمن البحري وإدارة الحدود والدبلوماسية في أوقات الأزمات.


والأهم من ذلك، تحتاج الحكومات الإقليمية إلى قنوات دائمة لمناقشة القضايا الحساسة قبل تحولها إلى أزمات.


ولا ينبغي أن تبدأ الدبلوماسية فقط بعد تصاعد التوترات العسكرية، بل ينبغي أن تصبح سمة طبيعية ودائمة للسياسة الإقليمية.


ويرتبط النقاش السياسي الداخلي في الصومال أيضاً بهذه القضية الأمنية الأوسع. وتستحق خبرات القادة الذين أمضوا سنوات في مواجهة حركة الشباب، ولا سيما في الإدارات الواقعة على خطوط المواجهة، دراسة جادة عند مناقشة مستقبل البلاد.


وقد بنى أحمد محمد إسلام، المعروف على نطاق واسع باسم أحمد مدوبي، جزءاً كبيراً من مسيرته السياسية والأمنية حول المواجهة الطويلة التي خاضتها جوبالاند مع حركة الشباب. وبغض النظر عن التقييم السياسي لإدارته، توفر خبرته في إدارة منطقة تواجه الجماعة المسلحة بصورة مباشرة منظوراً مهماً في النقاش الوطني الصومالي حول مكافحة الإرهاب وبناء الدولة.


لكن القضية الأوسع لا ينبغي اختزالها في ما إذا كان شخص بعينه يستحق قيادة البلاد. بل ينبغي للنظام السياسي الصومالي أن يطرح أسئلة أكثر جوهرية حول الصفات المطلوبة ممن يتولون مسؤولية مستقبل البلاد.


هل يستطيع القادة تعزيز المؤسسات الوطنية؟ وهل يستطيعون بناء قوات أمن فعالة؟ وهل يمكنهم مواجهة الإرهاب؟ وهل يستطيعون الدفاع عن سيادة الصومال مع الحفاظ على علاقات بناءة مع دول الجوار؟ وهل يستطيعون تحويل التنافس الإقليمي إلى تعاون اقتصادي؟


وينبغي طرح هذه الأسئلة على جميع القادة السياسيين، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الإقليمية.


ولا يعاني القرن الأفريقي نقصاً في الأهمية الاستراتيجية، وإنما يفتقر إلى استراتيجية إقليمية متكاملة بما يكفي لإدارة هذه الأهمية. وليس من الصعب تصور البديل عن زيادة التعاون الإقليمي.


فقد تجذب الخلافات المحلية بصورة متزايدة قوى خارجية متنافسة، وقد تعمق الشراكات العسكرية انعدام الثقة السياسي، فيما قد ترد الحكومات على بعضها البعض عبر تحالفات مضادة، فتدخل المنطقة في دورة يُنظر فيها إلى كل شراكة جديدة باعتبارها تهديداً من جانب دولة أخرى.


لكن ثمة مساراً آخر ممكناً.


تمتلك إثيوبيا مصالح اقتصادية وأمنية مشروعة، ولدى الصومال مخاوف مشروعة بشأن السيادة وسلامة الأراضي، كما تملك كينيا مصالح مشروعة في الأمن الإقليمي، ولجيبوتي مصالح اقتصادية واستراتيجية مشروعة، فيما تتمتع مصر بمصالح مشروعة في البحر الأحمر والبيئة الإقليمية الأوسع.


ولا يحتاج أي من هذه الحقائق إلى الاختفاء حتى يصبح التعاون ممكناً.


ولا تتمثل مهمة الدبلوماسية في إلغاء المصالح الوطنية، وإنما في خلق ظروف تسمح بتعايش المصالح الوطنية المتنافسة.


ولذلك ينبغي للقرن الأفريقي مقاومة إغراء النظر إلى كل علاقة إقليمية من منظور محصلته الصفرية. فلا يتعين على إثيوبيا والصومال أن تتحولا إلى خصمين استراتيجيين لمجرد وجود خلافات عالقة بينهما.


كما لا ينبغي بالضرورة تفسير علاقة مصر بالصومال حصراً من منظور النزاع المصري الإثيوبي. ويمكن لدول الخليج وتركيا والولايات المتحدة والصين والدول الأوروبية الانخراط في المنطقة من دون تحول القرن الأفريقي إلى ساحة معركة لتنافسها الاستراتيجي الأوسع.
 

وفي نهاية المطاف، ينبغي لدول المنطقة أن تحتفظ بالقدرة على تحديد نوع الشراكات التي تريدها والأهداف الاستراتيجية التي ينبغي أن تخدمها تلك الشراكات.
 

فالقرن الأفريقي مهم للغاية بحيث لا يمكن ترك تشكيل مستقبله بصورة دائمة لأجندات خارجية متنافسة، لكنه مترابط أيضاً بدرجة لا تسمح له بالبقاء أسير دورات انعدام الثقة السياسية.
 

ولا يمكن تحديد مستقبل المنطقة بصورة أساسية في القاهرة أو أنقرة أو الرياض أو أبوظبي أو واشنطن أو بكين. وستواصل القوى الخارجية امتلاك مصالح في المنطقة، لكن ينبغي أن تحدد دولها وشعوبها أولاً الاتجاه الاستراتيجي للقرن الأفريقي.
 

ولا يتطلب ذلك رفض الشراكات الدولية، بل الدخول فيها بثقة إقليمية أكبر، ومؤسسات أقوى، وفهم أوضح للمصالح المشتركة.
 

ويحتاج القرن الأفريقي إلى حسابات أقل اعتماداً على منطق المحصلة الصفرية، ومزيد من الاعتماد الاقتصادي المتبادل. ويحتاج إلى آليات أمن إقليمية أقوى بدلاً من الاصطفافات الأمنية المتنافسة. كما يحتاج إلى قنوات دبلوماسية تظل مفتوحة حتى عندما تتدهور العلاقات السياسية.
 

ويحتاج كذلك إلى بنية تحتية تربط دول المنطقة بدلاً من أن تقسمها، وفوق كل ذلك، يحتاج إلى رؤية سياسية تدرك أن إثيوبيا والصومال وكينيا وجيبوتي ومنطقة إيغاد الأوسع تشكل أجزاء مترابطة من بيئة أمنية واقتصادية واحدة.
 

ولن يأتي السلام الأكثر استدامة في القرن الأفريقي من اختيار قوة خارجية على حساب أخرى، بل سيأتي عندما تطور دول المنطقة ما يكفي من المصالح الاقتصادية المشتركة والآليات الدبلوماسية والتعاون الأمني لجعل المواجهة أكثر تكلفة والتعاون أكثر فائدة.
 

ولا ينبغي للقرن الأفريقي أن يتحول إلى ساحة تتنافس فيها القوى الأخرى على النفوذ، بل ينبغي أن يصبح منطقة قادرة على تحديد، وفق شروطها الخاصة، كيفية انفتاحها على العالم.

 

https://hornreview.org/2026/09/28/the-horn-of-africa-should-not-become-an-arena-for-external-rivalries/